من مهد النور .. في ذلك العصر الباليوليتي وعلى ألواح طينية مشوية , نجد أسطورة الحياة في ميزوبوتاميا .. من الأعلى العظيم تاقت إلى الأسفل العظيم .. إلهة القمر رغبت بتقديم التعازي لإلهة العالم السفلي لموت زوجها الرب ( كولجانا ) فقررت النزول . ثلاثة أيام غابت إنانا .. العب ذاق الويلات .. ننشابور يصرخ ويبكي لأجل سيدته أمام الآلهة لينقذها من الموت ,
القمر يغيب عن صفحة السماء , إنانا هي من طلبت من ننشابور التوسل للآلهة لإنقاذها فقد أحست بنفسها ضعيفة , خائرة القوى , لم تعد قادرة على مقاومة رغباتهم ! سبع بوابات مرت بها , عند كل واحدة يطلب منها الحارس نزع شيء من زينتها وملابسها . ننشابور وشارا ولتراك ودّوا إنقاذها والتضحية بحياتهم ...(( كلا يا ننشابور , لطالما كنت مخلصا لي محافظا عليّ , وأنت يا شارا لم أقدم لك شيئا لتفديني بحياتك , وشكرا لك يا لتراك الغالي , لن أرضى بموت أحدكم بدلا عني . سأعود لأضيء النهرين .. قالوا أن لإنانا أن لا تموت ولا تعرى .. سأعود ...)) . اغرورقت عيناها بالدموع وأردفت : (( وحده تموز من ملك روحي وكياني , سيقدم أغلى ما يملك من أجلي , تموز الخير , أينما بذرتموه ستنمو المحاصيل وتزداد غلة الأرض )) . وجاء رد تموز حاسما محققا لبلاد الرافدين خروج إنانا من عالم الظلمة بعد أن حملته العفاريت فدية لحبيبته . - (( ماذا أصنع بحياتي من بعدك ؟ كيف يعيش جسدي بدونك ؟ كيف لي أن أنبت وأنمو وقد أسروا الحياة ؟ أسروا حبيبة الروح ومهجة الفؤاد , ودمي الجاري في العروق.. )) . تموز العظيم يبكي أنهارا .. تموز يعتصر قلبه , وتتمزق روحه ويأخذ الألم منه مأخذه . - (( إنانا .. هاهي روحي , لتتلاشى في أرضك ولتعرفي أم كل جزء منها عشقك وعبدك .. أرجوك اقبليها وأعيدي للبلاد فرحتها وللسماء ضياءها )) . وهكذا عم الفرح ميزوبوتاميا بتضحية كبرى لم يكن لها مثيل في الأرض قاطبة ! لم يكن أحد ليضحي كما ضحى تموز الخالد في الأذهان , والخالد في الألواح , والخالد في عمق التاريخ . أرض الفراتين تحتاج لتضحيات .. تنادي هل من مخلص يعيد إنانا النور ويبدد ظلام الغرباء ؟







